الزركشي
429
البحر المحيط في أصول الفقه
صورة من صورة حتى تكون هذه ثابتة وهذه مخرجة وليس كذلك بل صنيعهم راجع إلى أن العمل مع الإمكان خير من التعطيل والقائل بالتعارض عطلهما جميعا والقائل بتخصيص كل منهما ببعض صوره عمل بهما جميعا حسب إمكانه . ثم لهم في التعيين طريقة مستأنفة وذلك لأن صور العام لا بد أن تتفاوت باعتبار ثبوت ذلك الحكم فتعيين الفقهاء أولى الصور بالحكم لأنهم لو عينوا القسم الآخر لزم عموم الحكم ضرورة أن ثبوته في الأدنى يقتضي ثبوته في الأعلى مثاله إذا قابلنا بين حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله مع قوله خذ من كل حالم دينارا كان الحديث الأول يقتضي أن لا تقبل الجزية من أحد والثاني يقتضي قبولها من كل أحد فإذا حملنا كلا منهما على بعض صوره نظرنا في صور الكفار وجدناها قسمين كتابيا وغير كتابي فعينا الكتابي للجزية وغيره للسيف وليس هذا احتكاما ولكن لما لم يكن بد من التخصيص وجدنا الكتابي أولى بالقبول من غيره لأنه أقرب إلى أن يستبقي إذ له عقيدة ما ولهذا أجاز الشرع نكاح الكتابيات دون الوثنيات ولهذا لما نشبت الحرب بين فارس والروم كان المسلمون يتمنون نصرة الروم لأنهم أهل كتاب وكان المشركون يتمنون نصرة فارس لأنهم مثلهم بلا كتاب فبهذه الطريقة يعين الفقهاء صور الإثبات من صور الإخراج لا بالاحتكام وبذلك يزول عنهم ألسنة الطاعنين . وأما قول الإبياري تخصيص العمومين تعطيل لهما فلا يصح قول الفقهاء في الجمع عمل بهما فهذا ينتقض عليه بما إذا تعارض عام وخاص فإنه وافق على أن القضاء بالخاص على العام يتعين لأنه عمل بهما . قلت والتحقيق إنه إذا لم نجد متعلقا سواهما تصدى لنا الإلغاء والجمع والأليق بالشرع الجمع وإن وجدنا متعلقا سواهما فالمتعلق هو المتبع وهو الظاهر من تصرف الشافعي فإنه حمل حديث ابن بريدة على عمومه في أهل الكتاب وحديث أبي هريرة في أهل الأوثان فقال لا يقضي بأحدهما على الآخر لتساويهما في القضاء إلا أنه